محمد متولي الشعراوي

6220

تفسير الشعراوى

وإياك أن تفهم أن الحق سبحانه يحتاج إلى عبادة الناس ؛ لأن اللّه عزّ وجل قديم أزلىّ بكل صفات الكمال فيه قبل أن يخلق الخلق ، وبكماله خلق الخلق ، وقوته سبحانه وتعالى في ذاته ، وهو خالق من قبل أن يخلق الخلق ، ورازق قبل أن يخلق الرزق والمرزوق ، والخلق من آثار صفات الكمال فيه ، وهو الذي أوجد كل شئ من عدم . ولذلك يسمّون صفاته سبحانه وتعالى صفات الذات ؛ لأنها موجودة فيه من قبل أن يوجد متعلقها . فحين تقول : حىّ ، ومحى ، فليس معنى ذلك أن اللّه تعالى موصوف ب « محى » بعد أن وجد من يحييه ، لا ، إنه محى ، وبهذه الصفة أحيا . ولله المثل الأعلى ، وهو سبحانه منزّه عن كل تشبيه : قد نرى المصوّر أو الرسام الذي صنع لوحة جميلة ، هنا نرى أثر موهبة الرسم التي مارسها ، واللوحة ليست إلا أثر لهذه الموهبة . الحق سبحانه وتعالى - إذن - له كل صفات الكمال قبل أن يخلق الخلق ، وبصفات الكمال خلق الخلق . فإياك أن تفهم أن هناك أمرا قد جدّ على اللّه تعالى ، فلا شئ يجدّ على الحق سبحانه ، وهو سبحانه لا ينتفع من خلقه بل هو الذي ينفعهم . ونحن نعلم أن الإيمان مطلوب من الإنسان ، وهو الجنس الظاهر لنا ونحن منه ، ومطلوب من جنس آخر أخبرنا عنه اللّه - تبارك وتعالى - وهو الجن « 1 »

--> ( 1 ) وذلك في قوله سبحانه وتعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات ] .